أحمد بن محمود السيواسي
290
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
قال ابن عباس : « إن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى السماء الدنيا ، يسترقون السمع من الملائكة الذين يتكلمون بما هو كائن في الأرض ، فيرمونهم بالكواكب فلا يخطئ أبدا ، فمنهم من يقتله ومنهم من يحرق وجهه أو يده أو جنبه أو حيث شاء اللّه ومنهم من يخبله فيصير غولا يضل الناس في البوادي » « 1 » ، قيل : إن النجوم ينقض من مكانه ويرمي الشيطان بلهبه ثم يعود إلى مكانه « 2 » ، وقيل : يرميه بلهبه وهو يقعد في مكانه « 3 » ، وعن ابن عباس : « كانت الشياطين لا يحجبون عن السماوات ، وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها فيلقون إلى الكهنة فيكذبون مائة كذبة من عند أنفسهم ، فلما ولد عيسى عليه السّلام منعوا من ثلث سماوات ، فلما ولد محمد عليه السّلام منعوا من السماوات أجمع ، فلما منعوا منها ذكروا ذلك لإبليس فقال لقد حدث في الأرض حدث ، فبعثهم فوجدوا رسول اللّه يقرأ القرآن ، فقالوا هذا واللّه حدث » « 4 » ، قال معمر قلت للزهري : « أكان يرمي بالنجوم في الجاهلية ؟ قال : نعم ، أفرأيتم قوله أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ « 5 » الآية ؟ قال : لكن غلظ وشدد أمرها حين بعث محمد عليه السّلام » « 6 » . [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 19 ] وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ( 19 ) قوله ( وَالْأَرْضَ مَدَدْناها ) عطف على قوله « وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً » ، أي الأرض بسطناها على وجه الماء ، قيل : إنها مسيرة خمسمائة عام في مثلها دحيت من تحت الكعبة « 7 » ( وَأَلْقَيْنا ) أي خلقنا وطرحنا ( فِيها ) أي عليها ( رَواسِيَ ) أي جبالا ثوابت كي لا يتحرك وقد كانت الأرض تميل إلى أن أرساها اللّه بالجبال ( وَأَنْبَتْنا فِيها ) أي في الأرض ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) [ 19 ] أي مقدر معلوم بميزان الحكمة لا تصلح فيها زيادة ولا نقصان من الحبوب وغيرها ، وقيل : ما يوزن من الجواهر كالذهب والفضة والحديد وغيرها حتى الكحل والزرنيخ كل ذلك يوزن وزنا « 8 » ، وقيل : المراد كل ما يوزن ويقدر نعمة ومنفعة من الأشياء « 9 » . [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 20 ] وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ( 20 ) ( وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ) بالياء الصريحة دون الهمزة ، جمع معيشة بخلاف الشمائل والخبائث ، فان تصريح الياء فيهما خطأ ، والصواب الهمزة ، أي المطاعم والمشارب والملابس ، قوله ( وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ) [ 20 ] عطف على « مَعايِشَ » ، أي وجعلنا فيها الذي لستم تعطون رزقه من الدواب والأنعام ، ف « مَنْ » بمعنى ما أو المراد العبيد والنساء والصبيان والدواب ف « مَنْ » في موضعها ، المعنى : ان اللّه هو رزاق كل مرزوق فلا تعتقدوا أنكم ترزقون أحدا . [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 21 ] وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 21 ) ثم بين ذلك بقوله ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ ) في الأرض والهواء مما يحتاج إلى الرزق ( إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ) أي مفاتيح رزقه وهي المطر أو ضرب الخزائن مثلا لاقتداره وتصرفه على كل مقدور ، أي ما من شيء إلا وقدرتنا محيطة به ونحن المتصرفون فيه ( وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) [ 21 ] أي ما ننزل المطر على الأرض إلا بوزن معين عندنا محسوب على قدر المصلحة أو ما نوجده مع كثرته واقتدارنا عليه إلا بحد مقدر وحساب معلوم لنا . قيل : ما تنزل من السماء قطرة إلا ومعها ملك يسوقها حيث يريد اللّه تعالى « 10 » ، قال ابن عباس : « كانت الخزان تعلمه إلا يوم الطوفان ، فان الماء الذي به أغرق اللّه قوم نوح طغى عليهم وكثر بقدرته وإرادته فلم
--> ( 1 ) انظر البغوي ، 3 / 395 . ( 2 ) نقله عن البغوي ، 3 / 397 . ( 3 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 4 ) انظر البغوي ، 3 / 395 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 216 ؛ والكشاف ، 3 / 129 . ( 5 ) الجن ( 72 ) ، 9 . ( 6 ) انظر البغوي ، 3 / 397 . ( 7 ) نقله المؤلف عن البغوي ، 3 / 397 . ( 8 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 397 . ( 9 ) اختصره المفسر من الكشاف ، 3 / 130 . ( 10 ) وهذا منقول عن البغوي ، 3 / 398 .